
يشهد العالم توسعًا سريعًا في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على فهم اللغة وإنتاج النصوص وتحليل المعلومات والمساعدة في تنفيذ عدد كبير من المهام. ومع انتشار هذه النماذج، ظهر سؤال مهم في مناطق مختلفة من العالم: هل تستطيع المجتمعات بناء تقنيات ذكاء اصطناعي تعكس لغاتها وثقافاتها وتاريخها واحتياجاتها المحلية، بدل الاعتماد فقط على نماذج طُورت في بيئات مختلفة؟
في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، يأتي مشروع Latam-GPT كإجابة عملية عن هذا السؤال. وهو مشروع إقليمي يقوده المركز الوطني للذكاء الاصطناعي في تشيلي CENIA، بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية وحكومية وتقنية من دول متعددة. أُطلق النموذج رسميًا في فبراير 2026 بوصفه أول نموذج لغوي كبير مفتوح في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، مع تركيز واضح على تمثيل المنطقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ما هو Latam-GPT؟
Latam-GPT هو نموذج لغوي كبير جرى تطويره من أجل فهم المحتوى واللغات والسياقات المرتبطة بأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وتكمن أهمية المشروع في أن الهدف لا يقتصر على بناء نموذج قادر على التعامل مع اللغة الإسبانية أو البرتغالية، وإنما على تطوير نظام أكثر قدرة على فهم التنوع الثقافي والمعرفي للمنطقة.
بدأ المشروع من خلال شبكة واسعة من الشراكات بين مؤسسات مختلفة، وجمعت المبادرة كمية كبيرة من البيانات النصية ذات الصلة بالمنطقة. ووفق المعلومات الرسمية للمشروع، جرى تجميع أكثر من 300 مليار رمز نصي، أي ما يقارب 230 مليار كلمة، لتدريب النسخة الأولى من النموذج. كما أن قاعدة البيانات الإقليمية تضمنت ملايين الوثائق من دول متعددة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
وتوضح الموارد الرسمية الحالية أن LatamGPT-SFT-1.0 هو أول إصدار من النموذج اللغوي الإقليمي، وهو مبني على Llama 3.1 ذي 70 مليار معلمة، ثم جرى تدريبه بصورة إضافية باستخدام بيانات إقليمية من خلال التدريب المستمر والتدريب الموجّه. وهذا يعني أن المشروع تطور عن التصورات الأولية التي تحدثت عن نموذج بحجم يقارب 50 مليار معلمة، وأصبح الإصدار الحالي قائمًا على بنية أكبر.
لماذا تحتاج أمريكا اللاتينية إلى نموذج خاص بها؟
نماذج الذكاء الاصطناعي العامة يمكنها التعامل مع عدد كبير من اللغات والمعلومات، لكنها قد لا تمثل جميع المجتمعات بالدرجة نفسها. فطريقة استخدام اللغة، والأسماء المحلية، والتاريخ، والمؤسسات، والعادات، والمصطلحات اليومية تختلف من مجتمع إلى آخر.
ولهذا يركز Latam-GPT على جمع بيانات مرتبطة بالمنطقة نفسها. وتشمل هذه البيانات مواد من مؤسسات عامة وأكاديمية ومكتبات ومصادر ثقافية ومعرفية مختلفة. الهدف هو تحسين قدرة النموذج على التعامل مع الأسئلة والسياقات التي ترتبط بأمريكا اللاتينية، بدل الاعتماد على معرفة عامة قد لا تكون دقيقة دائمًا عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل المحلية.
وهنا تظهر فكرة مهمة: الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بكمية البيانات أو عدد المعلمات، وإنما أيضًا بنوعية البيانات التي يتعلم منها النموذج، وبمدى تمثيل هذه البيانات للمجتمعات التي سيستخدم فيها.
التنوع اللغوي والثقافي في قلب المشروع
تتميز أمريكا اللاتينية بتنوع لغوي وثقافي واسع. إلى جانب الإسبانية والبرتغالية، توجد لغات أصلية عديدة مرتبطة بمجتمعات وتاريخ وثقافات مختلفة.
ويحاول المشروع أن يجعل هذا التنوع جزءًا من عملية بناء الذكاء الاصطناعي الإقليمي. ولا يعني ذلك أن النموذج يحل جميع مشكلات اللغات المحلية أو يقدم بالضرورة مستوى متساويًا من الأداء في كل لغة، لكنه يعكس توجهًا نحو تطوير تقنيات أكثر ارتباطًا بالواقع المحلي.
كما يعمل المشروع على إنشاء أدوات تقييم خاصة به لقياس مدى قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على فهم المعرفة والثقافة في أمريكا اللاتينية. ومن بين هذه الجهود Benchmark باسم Trueque، يضم أسئلة يراجعها البشر حول التاريخ والثقافة والجغرافيا وفنون الطهي في دول المنطقة، إلى جانب CHOCLO، وهو معيار أكبر يركز على المعرفة الثقافية في عدد من دول أمريكا اللاتينية.
السيادة التقنية لا تعني الاستغناء عن التكنولوجيا العالمية
من أكثر المفاهيم المرتبطة بـ Latam-GPT مفهوم السيادة التقنية. والمقصود هنا ليس بالضرورة الانعزال عن بقية العالم أو رفض النماذج العالمية، وإنما امتلاك القدرة على فهم التكنولوجيا والمشاركة في تطويرها وبناء نماذج تتناسب مع الاحتياجات المحلية.
وجود نموذج إقليمي مفتوح يمكن أن يمنح الباحثين والجامعات والمطورين فرصة لدراسة كيفية بناء نماذج اللغة وتقييمها وتطوير تطبيقات تعتمد عليها. كما يمكن أن يساعد في تكوين خبرات محلية في مجالات البيانات والتدريب والتقييم والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وقد أكد CENIA أن المشروع يقوم على التعاون بين مؤسسات من المنطقة، مع مشاركة جهات حكومية وأكاديمية ومنظمات ومؤسسات تقنية. وهذا يجعل المشروع تجربة تعاونية تتجاوز حدود دولة واحدة.
ماذا يمكن أن يقدم Latam-GPT في التعليم؟
يُعد التعليم من المجالات التي يمكن أن تستفيد من النماذج اللغوية المحلية. فوجود نموذج يفهم السياق الإقليمي يمكن أن يساعد في تطوير أدوات تعليمية تتعامل مع أمثلة وتاريخ ومناهج وموضوعات مرتبطة بالطلاب في المنطقة.
وقد تشمل التطبيقات المستقبلية أنظمة مساعدة للطلاب، وأدوات لتلخيص المواد التعليمية، ومساعدات للمعلمين، ومنصات قادرة على تقديم محتوى يتناسب مع السياق المحلي.
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم يحتاج إلى مراجعة بشرية وضوابط واضحة، لأن النموذج قد يقدم إجابات غير دقيقة حتى عندما يكون مدربًا على بيانات محلية.
إمكانات في الصحة والزراعة والخدمات العامة
يمكن أن تمتد أهمية النموذج إلى قطاعات أخرى. ففي الصحة، يمكن استخدام نماذج اللغة في تنظيم المعلومات أو مساعدة المؤسسات في التعامل مع كميات كبيرة من النصوص، مع ضرورة وجود إشراف متخصص وعدم اعتبار النموذج بديلًا عن الطبيب أو القرار الطبي.
وفي الزراعة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تطوير أدوات تفهم المصطلحات المحلية والبيانات المتعلقة بالمحاصيل والمناخ والممارسات الزراعية.
كما يمكن أن تستخدم المؤسسات العامة النماذج اللغوية في البحث داخل الوثائق، وتلخيص المعلومات، وتطوير واجهات رقمية أكثر سهولة للمستخدمين.
البنية التحتية وراء المشروع
تطوير نموذج لغوي بهذا الحجم يحتاج إلى بنية حوسبة قوية. ولهذا ارتبط المشروع بإنشاء مركز حوسبة فائقة في جامعة تاراباكا في تشيلي، مع استثمار مخطط له بقيمة 10 ملايين دولار على مراحل، واستخدام بنية تعتمد على وحدات معالجة رسومية متقدمة.
كما استفاد المشروع من البنية السحابية لـ AWS في عمليات التدريب والتحسين، وذكرت الأسئلة الشائعة الرسمية للمشروع أن تحسين عملية التدريب أدى إلى تقليل زمن التدريب في الاختبارات من 25 يومًا إلى 9 أيام.
هذا الجانب مهم لأن تطوير الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على البرمجيات والبيانات فقط، بل يحتاج أيضًا إلى قدرة حوسبية وبنية تحتية ومهارات بشرية قادرة على تشغيل هذه الأنظمة وتطويرها.
الانفتاح والتعاون كجزء من الفكرة
أحد الجوانب الرئيسية في Latam-GPT هو التركيز على التعاون والانفتاح. فالمشروع يتيح نماذج وموارد بحثية، كما يوفر بيانات وأدوات تقييم وموارد يمكن للباحثين والمطورين الاستفادة منها وفق شروط الاستخدام والتراخيص الخاصة بكل مورد.
ومن المهم هنا التمييز بين النموذج نفسه والبيانات المستخدمة في تدريبه. فليست كل البيانات متاحة بالطريقة نفسها؛ إذ توضح وثائق المشروع أن أجزاء من مجموعة البيانات تخضع لأطر ترخيص وشروط وصول مختلفة، وبعض البيانات البحثية تتطلب طلب وصول واتفاقية سرية. لذلك فإن وصف المشروع بأنه مفتوح لا يعني أن جميع البيانات المستخدمة في التدريب متاحة بلا قيود.
كيف يمكن للأفراد والمؤسسات المشاركة؟
يمكن للجامعات إنشاء مجموعات بحثية تهتم بالنماذج اللغوية والبيانات المحلية، ويمكن للطلاب المشاركة في تطوير أدوات تقييم واختبار أداء النماذج في موضوعات مرتبطة ببلدانهم وثقافاتهم.
كما يمكن للمطورين بناء تطبيقات تعتمد على النماذج المتاحة، بينما تستطيع المؤسسات الثقافية والمكتبات والجامعات المساهمة في توفير بيانات يمكن استخدامها بصورة قانونية وأخلاقية.
ويوفر مشروع Latam-GPT بالفعل وسائل للمشاركة، من بينها المساهمة في بناء اختبارات المعرفة الإقليمية، والمشاركة في بعض المبادرات التجريبية المرتبطة بتحسين النموذج.
مستقبل الذكاء الاصطناعي المحلي
يمثل Latam-GPT تجربة مهمة في مسار بناء قدرات الذكاء الاصطناعي في أمريكا اللاتينية، ليس فقط بسبب حجم النموذج أو كمية البيانات المستخدمة، وإنما بسبب الطريقة التي يجمع بها المشروع بين البحث العلمي والتعاون الإقليمي والبيانات المحلية والبنية التحتية.
ومن السابق لأوانه اعتبار أي نموذج إقليمي بديلًا كاملًا عن جميع النماذج العالمية، كما أن جودة النموذج يجب أن تُقاس من خلال اختبارات مستقلة وشفافة وعلى مجموعة متنوعة من المهام. لكن وجود مشروع من هذا النوع يفتح المجال أمام الباحثين والمطورين والمؤسسات للمشاركة في صناعة التكنولوجيا بدل الاكتفاء باستخدامها.
الخلاصة
Latam-GPT يوضح أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أكثر تنوعًا من مجرد عدد محدود من النماذج التي تُطور في مراكز تقنية عالمية.
المشروع يضع المعرفة المحلية والثقافة واللغات والسياقات الإقليمية في قلب عملية بناء نموذج لغوي، ويجمع بين مؤسسات من دول مختلفة بهدف تطوير قدرات تقنية وبحثية داخل المنطقة.
والأهم أن التجربة تقدم درسًا يتجاوز أمريكا اللاتينية نفسها: عندما تمتلك المجتمعات بياناتها، وخبراتها، وبنيتها التحتية، وقدرتها على البحث والتطوير، فإنها تستطيع أن تكون جزءًا من صناعة الذكاء الاصطناعي وتحديد الطريقة التي تمثل بها التكنولوجيا لغاتها وثقافاتها واحتياجاتها.
شيخة المنصوري
Facebook: Nextjeel
Instagram: @nextjeel.qa
WhatsApp: +974 55735126
